في


القائمة الرئيسية

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
مقالات الشيخ
( وقفات مع شهر رمضان )
( وقفات مع شهر رمضان )
09-01-1428 01:26 PM
( وقفات مع شهر رمضان )

إِنَّ اَلْحَمْدَ لِلَّهِ , نَحْمَدُهُ , وَنَسْتَعِينُهُ , وَنَسْتَغْفِرُهُ , وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا , وَمِنْ سَيئَاتِ أعْمَالنَا ،مَنْ يَهْدِهِ اَللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلل فَلا هَادِيَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ , وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) .
وقفات مع شهر رمضان موضوع متجدد إن شاء الله ، سوف نضع فيه ما تيسر جمعه وبيانه من كلام أهل العلم
في باب الصيام وما يتعلق به .

الوقفة الأولى :
قوله صلى الله عليه وسلم :
"أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة و تغلق فيه أبواب الجحيم و تغل فيه مردة الشياطين و فيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ".
أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه .
والحديث صحيح .

نعم إنه لشهر مبارك ففيه إنزل القرآن
قال تعالى ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) سورة الدخان : آية 2
وقال تعالى ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) الآية سورة البقرة آية 185
وقد ثبت عن جماعة من السلف أن الليلة المباركة هي ليلة القدر ، وأمّا ما يُروى عن عكرمة رحمه الله أنّها ليلة النصف من شعبان فهذا قولٌ ضعيف غريب ، ومُستنده مُرسل ، لا يعارض بمثله النصوص.
وفيه ليلة هي خيرٌ من ألف شهر
قال تعالى (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ )
سورة القدر : آية 1-3

قوله صلى الله عليه وسلم : "تفتح فيه أبواب الجنة و تغلق فيه أبواب الجحيم و تغل فيه مردة الشياطين"
وفي رواية" إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين"
رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم " فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين "
قال الحافظ ابن حجر في الفتح فتح الباري ( 4/114-115 ) عن معنى تصفيد الشياطين :
وقوله صفدت بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة أي شدت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت ونحوه للبيهقي من حديث بن مسعود وقال فيه فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب الشهر كله قال عياض يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل اغواؤهم فيصيرون كالمصفدين قال ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن بن شهاب عند مسلم فتحت أبواب الرحمة قال ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الايلة باصحابها إلى النار وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الاغواء وتزيين الشهوات قال الزين بن المنير والأول أوجه ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره وأما الرواية التي فيها أبواب الرحمة وأبواب السماء فمن تصرف الرواة والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار واستدل به على أن الجنة في السماء لإقامة هذا مقام هذه في الرواية وفيه نظر وجزم التوربشتى شارح المصابيح بالاحتمال الأخير وعبارته فتح أبواب السماء كناية عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات وقال الطيبي فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة وفيه إذا علم المكلف ذلك بأخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه باريحية وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصى واقعة في رمضان كثيرا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت ادابه أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لاكلهم كما تقدم في بعض الروايات أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره اذلا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك اسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية وقال غيره في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية .اهـ
=============
الوقفة الثانية :
مما اشتهر عند كثير من الناس القول بهذا الدعاء عند الإفطار
" اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ " .
والحديث ضعيف فقد حكم عليه جماهير اهل الحديث بالضعف :
قال ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد ( 3/ 371) :
رواه الطبراني في الاوسط وفيه داود بن الزبرقان وهو ضعيف .

وقال عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب ( 3/ 160 ):
قال بن معين ليس بشيء وقال بن المديني كتبت عنه شيئا يسيرا ورميت به وضعفه جدا وقال الجوزجاني كذاب وقال يعقوب بن شيبة وأبو زرعة متروك وقال البخاري مقارب الحديث وقال أبو داود ضعيف وقال مرة ليس بشيء وقال أيضا ترك حديثه وقال النسائي ليس بثقة وقال بن عدي عامة ما يرويه عن كل من روى عنه مما لا يتابع عليه أحد وهو في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم قلت وقال بن خراش ويعقوب بن سفيان والساجي والعجلي ضعيف الحديث وقال الأسدي متروك وقال بن حبان كان نخاسا بالبصرة اختلف فيه الشيخان أما أحمد فحسن القول فيه ويحيى وهاه قال وكان داود صالحا يحفظ ويذاكر ولكنه كان يهم في المذاكرة ويغلط في الرواية إذا حذف من حفظه ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم إلى أن قال وداود عندي صدوق فيما وافق الثقات إلى أنه لا يحتج به إذا انفرد وقال البزار منكر الحديث جدا قرأت بخط الذهبي مات سنة نيف وثمانين ومائة .

وقال في تلخيص الحبير ( 2/202) :
وإسناده ضعيف فيه داود بن الزبرقان وهو متروك .

وقال عنه الذهبي في ميزان الإعتدال في نقد الرجال ( 2/7):
داود بن الزبرقان [ ت، ق ] الرقاشى، بصرى.
نزل بغداد.
عن ثابت، وزيد بن أسلم، وخلق.
وعنه ابن أبى عروبة، وشعبة، وهما من شيوخه، وأحمد بن منيع، وابن عرفة.
قال البخاري: حديثه مقارب.
وقال ابن معين: ليس بشئ.
وقال أبو زرعة: متروك.
وقال أبو داود: ضعيف ترك حديثه.
وقال الجوزجانى: كذاب.
وقد ذكره ابن عدى وساق له بضعة عشر حديثا استنكرها، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.

وقال عنه العقيلي في الضعفاء ( 2/34):
داود بن الزبرقان حدثنا محمد بن عبد الحميد السهمي قال حدثنا أحمد بن محمد الحضرمي قال سألت يحيى بن معين عن داود بن الزبرقان فقال ليس بشيء حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا العباس قال سمعت يحيى يقول داود بن الزبرقان ليس بشيء .

وفي سؤالات الأجري ( 1/158):
سمعت أبا داود يقول داود بن الزبرقان ترك حديثه .

وقال عنه المزي في تهذيب الكمال ( 8/394-395) :
قال عباس الدوري وعثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين ليس بشيء وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه كتبت عنه شيئا يسيرا ورميت به وضعفه جدا وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني كذاب
وقال يعقوب بن شيبة وأبو زرعة متروك وقال البخاري مقارب الحديث وقال أبو داود ضعيف وقال في موضع آخر ليس بشيء وفي موضع آخر ترك حديثه وقال النسائي ليس بثقة وقال أبو احمد بن عدي عامة ما يرويه عن كل من روى عنه مما لا يتابعه أحد عليه وهو في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم.



وقال عنه ابن معين في تاريخ ابن معين رواية الدوري ( 4/253) :
سمعت يحيى يقول داود بن الزبرقان ليس حديثه بشيء وقد روى عنه سعيد بن أبي عروبة حديثا في أصنافه قلت ليحيى من رواه عن سعيد قال الخفاف.


وذكره ابن حبان في المجروحين ( 1/ 292) :

داود بن الزبرقان كان نخاسا بالبصرة روى عنه أهلها اختلف فيه الشيخان أما أحمد فحسن القول فيه ويحيى وهاه ثنا محمد بن محمود النسائي سمعت علي بن سعيد بن جرير يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول داود بن الزبرقان لا أتهمه في الحديث وسمعت يعقوب بن إسحاق يقول سمعت الدارمي يقول قلت ليحيى بن معين داود بن الزبرقان فقال ليس بشيء قال أبو حاتم كان داود بن الزبرقان شيخا صالحا يحفظ الحديث ويذاكر به ولكنه كان يهم في المذاكرة ويغلط في الرواية إذا حدث من حفظة ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم فلما نظر يحيى إلى تلك الأحاديث أنكرها وأطلق عليه الجرح بها وأما أحمد بن حنبل رحمه الله فإنه علم ما قلنا أنه لم يكن بالمعتمد في شيء من ذلك فلا يستحق الإنسان الجرح بالخطأ يخطىء أو الوهم بهم ما لم يفحش ذلك حتى يكون ذلك الغالب على أمره فإذا كان كذلك استحق الترك وداود بن الزبرقان عندي صدوق فيما وافق الثقات إلا أنه لا يحتج به إذا انفرد..

وذكره ابن عدي في الكامل ( 3/95) :

داود بن الزبرقان أبو عمر وقد قيل أبو عمرو البصري قال البخاري داود بن الزبرقان أبو عمرو البصري عن داود بن أبي هند مقارب الحديث ثنا محمد بن علي ثنا عثمان بن سعيد قلت ليحيى بن معين فداود بن الزبرقان قال ليس بشيء زاد بن حماد وقد روى عنه سعيد بن أبي عروبة حديثا في أصنافه قلت ليحيى من روى عن سعيد قال الخفاف ثنا علان ثنا بن أبي مريم قال وقال لي غير يحيى بن معين اجتمع الناس على طرح هؤلاء النفر ليس يذاكر بحديثهم ولا يعتد بهم فذكر داود بن الزبرقان فيهم وقال كان يكون ببغداد وقال النسائي فيما أخبرني محمد بن العباس عنه داود بن الزبرقان عن داود بن أبي هند ليس بثقة..

وأورده النسائي في الضعفاء والمتروكين ( 1/38) :
داود بن الزبرقان ليس بثقة .

وذكره أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل ( 3/412) :
داود بن الزبرقان بصري روى عن داود بن أبي هند وسعيد بن أبي عروبة وعلي بن زيد روى عنه زكريا بن يحيى بن صبيح الواسطي سمعت أبي يقول ذلك قال أبو محمد روى داود بن الزبرقان عن مطر الوراق روى عنه محمد بن شعيب بن شابور ومحمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا عبد الرحمن قال قرئ على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين قال داود بن الزبرقان ليس حديثه بشيء حدثنا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول داود بن الزبرقان ضعيف الحديث ذاهب الحديث .
====================
وبعد هذا فالحديث لا يصح لأن في سنده داود بن الزبرقان وهو ضعيف .

====================
الوقفة الثالثة :
السحور وبركته
========
عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً"
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

قال ابن حجر في الفتح ( 4/139) :
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور.

وهل السحور بالضم أم بالفتح ؟
قال ابن حجر في الفتح ( 4/139) :
هو بفتح السين وبضمها، لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه مصدر بمعنى التسحر، أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به.

وعن سبب حصول البركة بالسحور قال ابن حجر في الفتح (4/139) :
البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوى به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية فإن إقامة السنة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية كقوة البدن على الصوم وتيسيره من غير إضرار بالصائم. قال: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية.اهـ

والسحور هو الغذاء المبارك:
فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان فقال:
" هلم إلى الغذاء المبارك "
رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما .
قال المناوي في الفيض ( 3/243) :
أي الكثير الخير لما يحصل بسببه من قوة وزيادة قدرة على الصوم قال الكلاباذي : فالبركة فيه بمعنى الإباحة بعد الحظر عنه من أول الليل فكأنها إباحة زائدة على الإفطار آخر النهار فهو رخصة والله يحب أن تؤتى رخصه فالترغيب في السحور ترغيب في قبول الرخصة ومعنى البركة فيه الزيادة ويمكن كونها زيادة في العمر لكون النوم موتا واليقظة حياة ففي مدة الحياة معنيان اكتساب الطاعة للمعاد والمرافق للمعاش وهو مما خصت به هذه الأمة واعلم أن القصد من الصوم كسر شهوتي البطن والفرج فينبغي تخفيف الأكل في السحور فإن زاد في قدره حتى فاتت حكمة الصوم لم يكن مندوبا بل فاعله ملام نبه عليه بعض الأفاضل .اهـ

وقد ثبت أن السحور من البركة:
فعن سلمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" البركة في ثلاثة في الجماعة والثريد والسحور"
رواه الطبراني في الكبير بسند صحيح .

وعلى المسلم أن لا يدع السحور فإنه بركة من الله:
فعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال:
" إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه "
رواه النسائي بإسناد حسن .

ويحصل السحور بالقليل ولو بجرعة ماء :
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين "
رواه أحمد وهو صحيح .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"تسحروا ولو بجرعة من ماء"
رواه ابن حبان في صحيحه.
وكذا السحور بالتمر
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"نعم سحور المؤمن التمر"
رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.

قال ابن حجر في الفتح (4/140) :
يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب. وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: "السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين "
ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة "تسحروا ولو بلقمة".

ويكفي في أكلة السحور أن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ولو لم يكن للسحور إلا هذه المزية لكفى :
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين "
رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه .
قال المناوي في الفيض ( 2/270) تعليقاً على هذا الحديث:
أي الذين يتناولون السحور بقصد التقوي به على الصوم لما فيه من كسر شهوة البطن والفرج الموجبة لتصفية القلب وغلبة الروحانية على الجسمانية الموجبة للقرب من جانب الرب تعالى فلذلك كان السحور متأكد الندب جدا .اهـ

والأفضل في السحور تأخيره :
فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار و أخروا السحور .
وقال :" بكروا بالإفطار و أخروا السحور" .
وقال :" عجلوا الإفطار و أخروا السحور ".

فكل تلك الأحاديث الصحاح تدل على سنية تأخير السحور .

والأفضل في السحور أن يكون قبيل الفجر:
فعن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة
قال قلت كم كان قدر ذلك قال قدر خمسين آية .

قال ابن حجر في الفتح ( 4/138) :
وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود قال بن أبي جمرة كان صلى الله عليه و سلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم فقد يفضي إلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر وقال فيه أيضا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام ولو ترك لشق على بعضهم ولا سيما من كان صفراويا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان. اهـ


وأكلة السحر هي الفاصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب :
فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة .
قال النووي في المنهاج ( 7/207) :
معناه الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم السحور فانهم لا يتسحرون ونحن يستحب لنا السحور وأكلة السحر هي السحور.
========
الوقفة الرابعة :
وهي وقفة تتحدث عن فضيلة العشر الأواخر من رمضان وهذه العشر
هي لب وخلاصة هذا الشهر العظيم المبارك وهو التاج الذي يلبسه
من فاز بتلك الليلة العظية ليلة القدر فمن حرم خيرها فقد حرم الخير كله
فعلى المسلم أن يجتهد فيها ويشمر ويجد ، وسوف نسوق لكم كلام الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن هذه العشر وما ورد فيها :

قال :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ"

قوله: "باب العمل في العشر الأواخر من رمضان" وفي رواية المستملي: "في رمضان". قوله: "عن أبي يعفور" بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء، ولأحمد عن سفيان عن أبي عبيد ابن نسطاس وهو أبو يعفور المذكور واسمه عبد الرحمن، وهو كوفي تابعي صغير، ولهم أبو يعفور آخر تابعي كبير اسمه وقدان.
قوله: "إذا دخل العشر" أي الأخير، وصرح به في حديث علي عند ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق عاصم بن ضمرة عنه. قوله: "شد مئزره" أي اعتزال النساء، وبذلك جزم عبد الرزاق عن الثوري،

واستشهد بقول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه.
وقال الخطابي يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له، ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معا، ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز يقول طويل النجاد لطويل القامة وهو طويل النجاد حقيقة، فيكون المراد شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة. قلت: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة المذكورة "شد مئزره واعتزل النساء" فعطفه بالواو فيتقوى الاحتمال الأول. قوله: "وأحيي ليله" أي سهره فأحياه بالطاعة وأحيي نفسه بسهره فيه لأن النوم أخو الموت وأضافه إلى الليل اتساعا لأن القائم إذا حيى باليقظة أحيي ليله بحياته، وهو نحو قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور. قوله: "وأيقظ أهله" أي للصلاة
وروى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بن أم سلمة
"لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه"
قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر لقوله فيه: "وأيقظ أهله" فإنه يشعر بأنه كان معهم في البيت فلو كان معتكفا لكان في المسجد ولم يكن معه أحد، وفيه نظر فقد تقدم حديث: "اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه"؛ وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهن فيحتمل أن يوقظهن من موضعه وأن يوقظهن عندما يدخل البيت لحاجته. "تنبيه": وقع في نسخة الصغاني قبل هذا الباب في آخر "باب تحري ليلة القدر" ما نصه "قال أبو عبد الله قال أبو نعيم: كان هبيرة مع المختار على القتلى، قال أبو عبد لله فلم أخرج حديث هبيرة عن علي لهذا، ولم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب" انتهى وأراد بحديث هبيرة ما أخرجه أحمد والترمذي من طريق أبي إسحاق السبيعي عن هبيرة بن مريم وهو بفتح الياء المثناة من تحت بوزن عظيم عن علي
"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأخير من رمضان" وأخرجه أحمد وابن أبي
شيبة وأبو يعلى من طرق متعددة عن أبي إسحاق.
وقال الترمذي حسن صحيح وأراد بحديث الحسن بن عبيد الله ما أخرجه مسلم والترمذي أيضا والنسائي وابن ماجة من رواية عبد الواحد بن زياد عنه عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها"
قال الترمذي بعد تخريجه: حسن غريب. وأما قول أبي نعيم في هبيرة فمعناه أنه كان ممن أعان المختار - وهو ابن أبي عبيد الثقفي - لما غلب على الكوفة في خلافة عبد الله بن الزبير ودعا إلى الطلب بدم الحسين بن علي فأطاعه أهل الكوفة ممن كان يوالي أهل البيت، فقتل المختار في الحرب وغيرها ممن اتهم بقتل الحسين خلائق كثيرة، وكأن من وثق هبيرة لم يؤثر ذلك فيه عنده قدحا لأنه كان متأولا ولذلك صحح الترمذي حديثه، وممن وثق هبيرة1 ومعنى قوله: "يجهز" وهو بضم أوله وجيم وزاي: يكمل القتل.
وأما الحسن بن عبيد الله فهو كوفي نخعي قدم يحيى القطان عليه الحسن بن عمرو وقال ابن معين: ثقة صالح، ووثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما.
وقال الدار قطني: ليس بقوي ولا يقاس بالأعمش. انتهى.
وقد تفرد بهذا الحديث عن إبراهيم وتفرد به عبد الواحد بن زياد عن الحسن ولذلك استغربه الترمذي، وأما مسلم فصحح حديثه لشواهده على عادته، وتجنب حديث علي للمعنى الذي ذكره البخاري أو لغيره، واستغنى البخاري عن الحديثين بما أخرجه في هذا الباب من طريق مسروق عن عائشة، وعلى هذا فمحل الكلام المذكور أن يكون عقب حديث مسروق في هذا الباب لا قبله وكأن ذلك من بعض النساخ والله أعلم. وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة، ختم الله لنا بخير آمين.

فتح الباري : ( 4/269-271)

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ"
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فَقَالَ اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَرْجِعْ فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَأُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ"


قوله: "باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر" في رواية الكشميهني: "التمسوا" بصيغة الأمر.
وهذه الترجمة والتي بعدها - وهي تحري ليلة القدر - معقودتان لبيان ليلة القدر، وقد اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة سأذكرها مفصلة بعد الفراغ من شرح أحاديث البابين.
قوله: "أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء. قوله: "أروا ليلة القدر" أروا بضم أوله على البناء للمجهول أي قيل لهم في المنام إنها في السبع الأواخر، والظاهر أن المراد به أواخر الشهر، وقيل المراد به السبع التي أولها ليلة الثاني والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين، فعلى الأول لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث وعشرين، وعلى الثاني تدخل الثانية فقط ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين، وقد رواه المصنف في التعبير من طريق الزهري عن سالم عن أبيه
"إن ناسا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وإن ناسا أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" التمسوها في السبع الأواخر "
وكأنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى المتفق عليه من الروايتين فأمر به، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزهري بلفظ:
"رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها" ورواه أحمد من حديث علي مرفوعا:
"إن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي" ولمسلم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ:
" من كان يلتمسها فيلتمسها في العشر الأواخر"
ولمسلم من طريق عقبة بن حريث عن ابن عمر
"التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي"، وهذا السياق يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع. قوله: "أرى" بفتحتين أي أعلم، والمراد أبصر مجازا. قوله: "رؤياكم" قال عياض كذا جاء بإفراد الرؤيا، والمراد مرائيكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة وإنما أراد الجنس. وقال ابن التين: كذا روي بتوحيد الرؤيا، وهو جائز لأنها مصدر، قال: وأفصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعا في مقابلة جمع. قوله: "تواطأت" بالهمزة أي توافقت وزنا ومعنى. وقال ابن التين. روى بغير همز والصواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه. وفي هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية، وسنذكر بسط القول في أحكام الرؤيا في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى. الحديث: قوله: "حدثنا هشام" هو الدستوائي ويحيى هو ابن أبي كثير، ويأتي في الاعتكاف عن طريق علي ابن المبارك عن يحيى "سمعت أبا سلمة". قوله: "سألت أبا سعيد وكان لي صديقا فقال اعتكفنا" لم يذكر المسئول عنه في هذه الطريق. وفي رواية على المذكورة "سألت أبا سعيد: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم "فذكر الحديث. ولمسلم من طريق معمر عن يحيى "تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قريش، فأتيت أبا سعيد" فذكره. وفي رواية همام عن يحيى في "باب السجود في الماء والطين" من صفة الصلاة" انطلقت إلى أبي سعيد فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل فنتحدث؟ فخرج، فقلت: حدثني ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر، فأفاد بيان سبب السؤال، وفيه تأنيس الطالب للشيخ في طلب الاختلاء به ليتمكن مما يريد من مسألته. قوله: "اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط" هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد بالعشر الليالي وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث لكن وصفت بالمذكر على إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث كأنه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر، ووقع في "الموطأ" العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وسطى ويروى بفتح السين مثل كبر وكبرى ورواه الباجي في "الموطأ" بإسكانها على أنه جمع واسط كبازل وبزل وهذا يوافق رواية الأوسط، ووقع في رواية محمد بن إبراهيم في الباب الذي يليه "كان يجاور العشر التي في وسط الشهر" وفي رواية مالك الآتية في أول الاعتكاف "كان يعتكف" والاعتكاف مجاورة مخصوصة، ولمسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد "اعتكف العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقوض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد" وزاد في رواية عمارة بنغزية عن محمد إبراهيم أنه "اعتكف العشر الأول ثم اعتكف العشر الأوسط ثم اعتكف العشر الأواخر"، ومثله في رواية همام المذكورة وزاد فيها "إن جبريل أتاه في المرتين فقال له: إن الذي تطلب أمامك" وهو بفتح الهمزة والميم أي قدامك، قال الطيبي: وصف الأول والأوسط بالمفرد والأخير بالجمع إشارة إلى تصوير ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين.قوله: "فخرج صبيحة عشرين فخطبنا" في رواية مالك المذكورة "حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه" وظاهره يخالف رواية الباب، ومقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغاير لقوله في آخر الحديث: "فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين"
فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين وهو الموافق لبقية الطرق، وعلى هذا فكأن قوله في رواية مالك المذكورة "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها" أي من الصبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصبح إليها تجوز. وقد أطال ابن دحية في تقرير أن الليلة تضاف لليوم الذي قبلها، ورد على من منع ذلك ولكن لم يوافق على ذلك فقال ابن حزم: رواية ابن أبي حازم والدراوردي - يعني رواية حديث الباب - مستقيمة ورواية مالك مشكلة، وأشار إلى تأويلها بنحو مما ذكرته. ويؤيده أن في رواية الباب الذي يليه "فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه" وهذا في غاية الإيضاح، وأفاد ابن عبد البر في "الاستذكار" أن الرواة عن مالك اختلفوا عليه في لفظ الحديث فقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه يحيى بن يحيى بن بكير والشافعي عن مالك "يخرج في صبيحتها من اعتكافه" ورواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وجماعة عن مالك فقالوا "وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه" قال: وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك فقال من اعتكف أول الشهر أو وسطه فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه، ومن اعتكف في آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد. قال ابن عبد البر: ولا خلاف في الأول، وإنما الخلاف فيمن اعتكف العشر الأخير هل يخرج إذا غابت الشمس أو لا يخرج حتى يصبح؟ قال: وأظن الوهم دخل من وقت خروج المعتكف. قلت: وهو بعيد لما قرره هو من بيان محل الاختلاف. وقد وجه شيخنا الإمام البلقيني رواية الباب بأن معنى قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين" أي حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين، وقوله: "وهي الليلة التي يخرج" الضمير يعود على الليلة الماضية، ويؤيد هذا قوله: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" لأنه لا يتم ذلك إلا بإدخال الليلة الأولى. قوله: "أريت" بضم أوله على البناء لغير معين، وهي من الرؤيا أي أعلمت بها، أو من الرؤية أي أبصرتها، وإنما أرى علامتها وهو السجود في الماء والطين كما وقع في رواية همام المشار إليها بلفظ: "حتى رأيت أثر الماء والطين على جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق رؤياه". قوله: "ثم أنسيتها أو نسيتها" شك من الراوي هل أنساه غيره إياها أو نسيها هو من غير واسطة، ومنهم من ضبط نسيتها بضم أوله والتشديد فهو بمعنى أنسيتها والمراد أنه أنسى علم تعيينها في تلك السنة، وسيأتي سبب النسيان في هذه القصة في حديث عبادة بن الصامت بعد باب. قوله: "أني أسجد" في رواية الكشميهني: "أن أسجد". قوله: "فمن كان اعتكف معي فليرجع" في رواية همام المذكورة "من اعتكف مع النبي" وفيه التفات. قوله: "قزعة" بفتح القاف والزاي أي قطعة من سحاب رقيقة. قوله: "فمطرت" بفتحتين، في الباب الذي يليه من وجه آخر "فاستهلت السماء فأمطرت". قوله: "حتى سال سقف المسجد" في رواية مالك "فوكف المسجد "أي قطر الماء من سقفه، وكان على عريش أي مثل العريش وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مظللا بالجريد والخوص، ولم يكن محكم البناء بحيث يكن من المطر الكثير. قوله: "يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته" وفي رواية مالك "على جبهته أثر الماء والطين" وفي رواية ابن أبي حازم في الباب الذي يليه "انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينا وماء" وهذا يشعر بأن قوله: "أثر الماء والطين" لم يرد به محض الأثر وهو ما يبقى بعد إزالة العين، وقد مضى البحث في ذلك في صفة الصلاة. وفي حديث أبي سعيد من الفوائد ترك مسح جبهة المصلي، والسجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف لكن يعكر عليه قوله في بعض طرقه: "ووجهه ممتلئ طينا وماء" وأجاب النووي أن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة. وفيه جواز السجود في الطين، وقد تقدم أكثر ذلك في أبواب الصلاة. وفيه الأمر بطلب الأولى والإرشاد إلى تحصيل الأفضل، وأن النسيان جائز على النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقص عليه في ذلك لا سيما فيما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصة، لأن ليلة القدر لو عينت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها، وكان هذا هو المراد بقوله: "عسى أن يكون خيرا لكم" كما سيأتي في حديث عبادة. وفيه استعمال رمضان بدون شهر، واستحباب الاعتكاف فيه، وترجيح اعتكاف العشر الأخير، وأن من الرؤيا ما يقع تعبيره مطابقا، وترتب الأحكام على رؤيا الأنبياء. وفي أول قصة أبي سلمة مع أبي سعيد المشي في طلب العلم، وإيثار المواضع الخالية للسؤال، وإجابة السائل لذلك واجتناب المشقة في الاستفادة، وابتداء الطالب بالسؤال، وتقدم الخطبة على التعليم وتقريب البعيد في الطاعة وتسهيل المشقة فيها بحسن التلطف والتدريج إليها، قيل ويستنبط منه جواز تغيير مادة البناء من الأوقاف بما هو أقوى منها وأنفع.
فتح الباري ( 4/256-259) .

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2132


خدمات المحتوى


تقييم
1.64/10 (142 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

:: شبكة أصداء لتصميم وتطوير المواقع ::